Welcome to
اتصل بالمشرف: الأستاذ مدهارالرئيسيةالخيمة التربويةالمذكرات والمستجداتشارك بمقالطباعة


مقالات تربوية

الخيمة التربوية

إنتاجات تربوية

شجرة المحتويات النشطة
يوجد مشكلة في هذه المجموعة.

دورات وندوات للتنزيل


منهجية التغيير

زاوية الأعضاء

مواضيع مقترحة

كيف تحاور الآخرين
[ كيف تحاور الآخرين ]

·فن الإستماع وصفة أخلاقية ومهارة ضرورية
·حتى لا تفشل في حوارك مع الآخرين
·فن التعامل .. مفتاح قلوب الناس

البحث



أنت الزائر
Counter

كتب د هارون يحيى كود فك الضغط medharweb




  
بالتعليم أرسلت
تم كتابته من طرف مشارك on 28-8-1430 هـ
طباعة المقالات: صفحة للطباعة //
Topic: منهجية طلب العلم //
//بقلم: محمد ياسين العشاب
بالتعليم أُرسِلت
تاجٌ مؤتلقٌ أصيلٌ من معدن النبوة وضعه نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم على جبين التعليم والمعلمين، مُرَصَّعٌ بأنفس ما خلق الله من جواهر التشريف ويواقيت العزَّة، ملأ الصدورَ من فيضِ جلاله، وجَعَل من رسالة العلم والتعليم قلبَ الرسالةِ المحمدية الكونية الخاتِمة، فشَرَّفَ المعلِّمينَ بهذا الشَّرَف، وجَعَلَ منهم مشاعلَ هذه الأمة التي تهديها إلى النور وإن ادلهمَّتِ الليالي، وتنقذها إلى شاطئ الهَدْيِ النبويِّ وإن علا موج الضلال.


روى ابن ماجة رحمه الله في سننه، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال:
" خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا في المسجد مجلسان، مجلس يتفقهون، ومجلس يدعون الله تعالى ويسألونه، فقال: كلا المجلسين إلى خير، أما هؤلاء فيدعون الله، وأما هؤلاء فيتعلمون ويُفَقِّهُونَ الجاهل، هؤلاء أفضل!، بالتعليم أُرْسِلْت، ثم قعد معهم " .
هذا هو الأصل، لكن عندما أمسكتِ الدولةُ بزمام الأمور ضيَّقتِ الخناقَ على الدعوة، وبدأ غرسُ العلم كفريضةٍ لازمةٍ يذبل رويدًا رويدا، وخَفَتَ صوتُ العلماء الدعاةِ بارتفاع ضجيج السياسة وفتنة الاستبداد، ولما استظلوا بظله وأووا إليه أضاعوا من التعليم روحَه وجدواه، فأصبح التعليم خادما للدولة، مهملا للدعوة، وبعد أن كانت مدارس العلم حدائقَ ذات بهجة، يسقيها غيثُ الدعوة وضياءُ المنهاج النبوي، فتغذِّي بثمارها الزاخرةِ الأمةَ جميعا، إستبدلوا بها واديا غيرَ ذي زرعٍ أو به زرعٌ لا حبَّ فيه ولا ثمر.
وما اقترن التعليم بالدعوة في فترةٍ إلا ورفع من شأن الأمة ووَحَّدها وقوَّى جانبَها، وما فَتَحَ لها نافذةَ النور في أحلكِ الظلماتِ إلا العلماءُ الربانيون العاملون، وهم ورثةُ الأنبياءِ والمجددون، وإن كانوا في كثيرٍ من الأزمنة قد عاشوا ويعيشون على هامشِ الحياة في ظلِّ واقع العضِّ والجبر.
" تعليم الناس الخير " و" تجديد الإيمان "، مفهومان نبويان لازما أساتذةَ العلم وطلابَه، وكان عندهم من الاستعداد القلبي باعتبار القلوب أوانيَ للنور الرباني، ومن الاستعداد العقلي باعتبار العقول أوعيةً لاحتواء العلم والتفكر، كان عندهم من ذلك ما جعل منهم مشاعلَ يُهتَدَى بها، ومراجعَ للعلم الرباني، تُسابِق إليها وتتسابق الهمم العالية التي تطمح لانتهال العلم من منهلِ الصحبةِ المباشرة للعلماء، وكانوا نماذجَ فريدةً من تعظيم العلم لم يَجُدْ بمثلها الزمان.
قال المزني رحمه الله: قيل للشافعي، كيف شهوتك للعلم؟ قال: أسمع بالحرف مما لم أسمعه فتَوَدُّ أعضائي أن لها أسماعا تَتَنَعَّمُ به مثلما تَنَعَّمَتْ به الآذان، فقيل له: فكيف حرصك عليه؟ قال حرصَ الجَمُوعِ المَنُوعِ في بلوغ لذَّته للمال، قيل له: فكيف طلبك له؟ قال طلب المرأة المضلَّة ولدَها ليس لها غيرُه!
وقال الربيع رحمه الله: سمعت الشافعي وهو مريض، وذَكَرَ ما جمع من الكتب فقال: وددتُ لو أن الخلقَ تَعَلَّمُوهُ ولا يُنسَبُ إليَّ منه شيء .
وهممٌ دونها شُمُّ الجبال، ونفوسٌ أبيةٌ لا تقبل الضيم، ولا ترضى بظلم، ولا تخشى في الحق لومة لائم، وتصدع به في المحافل، فلا تعبأ بكلام الناس وجور الولاة:
روي عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه أنه كان يقول: ما أَعَزَّتِ العباد نفسها بمثل طاعة الله، ولا أهانت نفسها بمثل معصية الله، ودُعِيَ إلى نَيِّفٍ وثلاثين ألفًا ليأخذَها، فقال لا حاجة لي فيها ولا في بني مروان، حتى ألقى الله فيحكم بيني وبينهم .
وقال يحيى بن سعيد: كتب هشام بن إسماعيلَ المخزوميُّ والي المدينة إلى عبد الملك بن مروان رحم الله الجميع: إن أهل المدينة قد أَطْبَقُوا على البيعةِ للوليد وسليمان إلا سعيد بن المسيب، فكتب أنِ اعرِضْهُ على السيف، فإن مضى، فاجلده خمسين جلدةً وطُفْ به أسواقَ المدينة.
فلما قَدِمَ الكتابُ على الوالي، دخل سليمان بن يسارٍ وعروة بن الزبير وسالم بن عبد الله على سعيد بن المسيب وقالوا: جئناك في أمر، قد قَدِمَ كتاب عبد الملك إن لم تُبَايِعْ ضُرِبَتْ عُنُقُك! ونحن نعرض عليك خصالاً ثلاثًا فأَعْطِنَا إحداهن، فإن الواليَ قد قَبِلَ منك أن يَقْرَأَ عليك الكتاب فلا تقل لا ولا نعم، قال: يقول الناس بايع سعيد بن المسيَّب؟ ما أنا بفاعل، وكان إذا قال لا لم يستطيعوا أن يقولوا نعم، قالوا: فتجلس في بيتك ولا تخرج إلى الصلاة أيامًا، فإنه يَقْبَلُ منك إذا طَلبَكَ في مجلسٍ فلم يجِدْك، قال: فأنا أسمع الأذان فوق أذني حيَّ على الصلاة وحيَّ على الفلاح؟ ما أنا بفاعل! قالوا: فانتقِلْ من مجلسك إلى غيره، فإنه يرسِلُ إلى مجلسكَ فإن لم يجدكَ أمسكَ عنك، قال: أَفَرَقًا من مخلوق؟! ما أنا يمتقدِّمٍ شبرًا ولا متأخِّر.
فخَرَجُوا، وخرج إلى صلاة الظهر فجلس في مجلسه الذي كان يجلس فيه، فلما صلى الوالي بعَثَ إليه فأتى به، فقال: إن أميرَ المومنين كتب يامرنا إن لم تبايعْ ضَرَبْنَا عنقك! قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيعتين، فلما رآه لم يجب أخرجه إلى السُّدَّة، فمُدَّتْ عنقه وسُلَّتِ السيوف، فلما رآه قد مضى أمر به فجُرِّد... فضربه خمسين سوطًا، ثم طاف به أسواق المدينة، فلما رَدُّوهُ والناس منصرفونَ من صلاة العصر قال: إن هذه الوجوهَ ما نظرتُ إليها منذ أربعين سنة، ومَنَعُوا الناسَ أن يُجَالِسُوه، وكان من ورعه إذا جاء إليه أحدٌ يقول له قم من عندي، كراهيةَ أن يُضرَبَ بسببه .
وكان رحمه الله يقول: لا تملئوا أعينكم من أعوانِ الظَّلَمَة، إلا بإنكارٍ من قلوبكم لكيلا تَحْبَطَ أعمالُكُم .
وفي شذرات الذهب أن مالكا رحمه الله حُمِلَ إلى بغدادَ وقال له واليها: ما تقول في نكاح المتعة؟ فقال: حرام، فقيل له: ما تقول في قول عبد الله بن عباس فيها؟ فقال: كلام غيره أوفق لكتاب الله تعالى، ثم طافوا به على ثور مشوها، فلم ينقص ذلك من إصراره على الحق ذرة، وكان يرفع القذر عن وجهه ويقول: يا أهل بغداد، من لم يعرفني فليعرفني، أنا مالك بن أنس، فُعِلَ بي ما ترون لأقول بجواز نكاح المتعة، ولا أقول به!
وكانوا أورع الناس وأتقاهم وأشدَّهم خشيةً لله عز وجل ومراقبة له في الحركات والسكنات:
قال الحميدي في جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس في ترجمة من اسمه مالك :... أخبرنا القعنبي، قال: دخلت على مالك بن أنس في مرضه الذي مات فيه، فسلمت عليه، ثم جلست فرأيته يبكي، فقلت: يا أبا عبد الله، ما الذي يبكيك؟ فقال لي: يا ابن قعنب ومالي لا أبكي، ومن أحق بالبكاء مني؟ والله لوددت أني ضربت لكل مسألة أفتيت فيها برأي بسوط سوط، وقد كانت لي السعة فيما قد سبقت إليه، وليتني لم أفت بالرأي، أو كما قال .
وقال يزيد بن هارون: ما رأيت أورع من أبي حنيفة رحمه الله، رأيته جالسًا يوما في الشمس عند باب إسان، فقلت له يا أبا حنيفة، لو تَحَوَّلْتَ إلى الظل؟ فقال: لي على صاحب هذه الدار دراهم، ولا أُحِبُّ أن أجلسَ في ظلِّ فناء داره، قال يزيد: فأيُّ ورعٍ أكثر من هذا؟ وفي روايةٍ أنه سُئلَ لم امتنع من الظل، فقال: لي على صاحب هذه الدار شيء، فكرهت أن أستظلَّ بظل حائطه فيكون ذلك جر منفعة، وما أرى ذلك على الناس واجبا، ولكن العالِمَ يحتاجُ أن يأخذ لنفسه من عمله بأكثرَ مما يدعو الخلقَ إليه .
وقيل ليونس بن عبيد رحمه الله: أتعرف أحدا يعمل بعمل الحسن البصري؟ فقال والله لا أعرف أحدا يقول بقوله، فكيف يعمل بعمله؟ ثم وصفه فقال: كان إذا أقبل فكأنه أقبل من دفن حميمه، وإذا جلس فكأنه أُمِر بضرب عنقه، وإذا ذُكِرَتِ النار فكأنها لم تُخْلَقْ إلا له !

  

كذلك كان حال العلماء الذين ارتبطت أرواحهم بصلة مباشرة من التربية النبوية، وظلوا مشاعلَ للنور تحفظ ميراثَ النبوة بعد انتقاض عروة الحكم، ولا يحفظ ميراثَ النبوة إلا علمٌ مقترنٌ بعمل، لأن العلم إنما يكون نافعا ومفيدا إذا كان يصدر من قلبٍ خاشع ونفسٍ مطمئنة، وقد جبلت القلوب على الانشراح للعالم الصادق العامل الذي يراقب الله عز وجل ويرجو بعلمه اليومَ الآخِر، ولا نسمي العلمَ علمًا إلا إذا حَمَلَ صاحبَهُ على الخشيةِ الداعية إلى الإخلاص، ونَصَفَةِ الاعتدال، وسلوك السبيل الواضحة.
ذلك أن العلم نور، فلا تقدر على استقباله النفوس المظلمة الصلدة، فلا يعزُبُ عن العقل أن يستوعب ما شاء الله له من معارف، ويؤلفَ آلاف الصفحات ويخترعَ عشرات المخترعات، لكن كلَّ ذلك لا يساوي شيئا ولا ينفع إلا بمقدار ما تصفو نفس صاحبها وتعمل بما تعلم من الخير.
قال حماد بن سلمة رحمه الله: حدثني ثابت البناني قال، سمعت أنسا يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن العالم إذا أراد بعلمه وجه الله هابَهُ كلُّ شيء، وإذا أراد أن يكنز الكنوزَ هاب من كلِّ شيء !
إن تعليما لا يكون الهدف منه والغاية إلا الربح والعمل الدنيوي لا يكون جديرا بالتشريف النبوي الذي جعل من التعليم قلبَ رسالته إلى العالمين، بل إن وظيفة التعليم هي نشر العلم النافع، والعلم إمام العمل، فإن لم يكن العملُ نتيجةً لازمةً له كان ليًّا للعلم عن قصده، بل وخيانةً للأمة وطردًا للعلماء من روضة التشريف النبوي، والعلمُ ما لم يَصُنْ نفسَ مولاهُ أوشك أن يطمس على قلبه كلما استزادَ منه، فإن لم يَذِلَّ للناس بعلمه كان حجابًا ورانًا على قلبه، أو أوشك الله أن ينزعه منه عقابا له، كما قال بعض السلف: العلم يهتف بالعمل، فإن أجابَ حلَّ وإلا ارتحَل، والعالم العامل يجازى بالزيادة في علمه وفهمه، فيُقبِل على الله عز وجل بعلمه، فلا يتوانى في الاستزادة منه ونشره بين الناس، وكان العلماء العاملون ورثة الأنبياء لا يعرفون للكسل والحزن على الدنيا سبيلا.
في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عَرْفَ الجنة يوم القيامة .
وفي حديث آخر: لا تتعلموا العلم لتباهوا به العلماء، ولا لتماروا به السفهاء، ولا تخيروا به المجالس، فمن فعل ذلك فالنار النار!
وروي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه قال: إعلموا ما شئتم أن تعلموا، فلن يأجركم الله بعلمه حتى تعملوا .
وقال حبيب بن عبيد رحمه الله: تعلموا العلمَ وانتفعوا به، ولا تَعَلَّمُوهُ لتجَمَّلُوا به، إنه يوشك إن طال بك العمر أن تتجمَّلَ بالعلم كما يتجمَّلُ الرجل بثوبه .
ولا يعني أبدا ما ذكرناه عن العلم واقترانه بالعمل للآخرة أنه ينافي الوظائف الدنيوية، بل إن العلم الصادق يجتمع معها، ويكون سببا في الإخلاص فيها والرفع من شأنها، والعبادة إنما تكون أثناء العمل وبالعمل، ما كانت لتشغل صاحبها أو تقطعه إن كان قلبه سليما، وما أحوج تعليمَنا إلى علمٍ نافعٍ صادق، يجمع فيه صاحبه بين نور القلب المصدِّقِ المسَلِّم بالغيب، وبين بصيرةِ العقلِ المنضبطِ للعلمية والتجربة والنقد والملاحظة، فلا يتسرع في إصدار الأحكام، ويكون له من نور قلبه ووازع بصيرته ما يصونه عن الزلل، فإن العلم هو علم الحق، لكنه لا يكتمل نفعُه إن لم يَقْتَرِنْ بالعلوم الأرضية والحكمة بمفهومها الإنسانيِّ الواسع، لأن العلم هو الذي تتكامل نظرته فتشمل الكون والإنسان والتاريخ والواقع، ويطمح إلى تجديد حياة الأمة بتجديد دينها ومنهاجها.
وغاية العلم أن تستقبله النفوس مستعدة لـه، فتستنير به وتُشِعُّهُ على الناس، فهو يطهر النفس ويُصَفِّيها لتُحسِنَ التعامل مع الناس، فإن تَلَقَّتْهُ النفوس غيرَ راغبةٍ فيه، أو كان رتيبًا قليلَ التأثيرِ والجدوى، لم تنتفِعْ به النفوسُ ولم تَنْفَعْ.
فليست الغاية من العلم التعلُّمُ فحسب، وإنما غايتُهُ التعلُّقُ بالمعاني وصناعةُ القدوة التي تُؤَثِّرُ في الناس بالتأسي، وتَعَلُّمُ الإخلاص بصفاء النفس وتنقية الضمير.
إلا تُرَاعَ تلك القيم أثناء التعليمِ لَحِقَ به دَاءُ السلبية، وتراكمت الأفواج المتخرجة فوجًا تلو فوجٍ دون فائدة، فلا جَرَمَ يتم استبعادُ الغايتين: الخلق والعمل، و يحدُثُ التراجعُ عن هدف التربية، ويصبح العلم والتعلم زُلْفَى للغايات والمصالح الدنيوية.
إن التربية هي مؤثرات قوية وتوجيهات ملازمة تصحب حياة الإنسان، ونور رباني يتسلل إلى الصدور وتتشربه القلوب، فيتأثر سلوك الإنسان وتتشكل شخصيته وأسلوب حياته ونوع تصرفاته بحسب نوعية التأثير التربوي الممارس عليه، أما التعليم فلا يتعدى تلقين المعلومات وتهيئة المتعلمين لاكتساب المهارات في جو تعليمي مدرسي، ولا يتكامل التعليم ولا يؤتي ثماره إن لم يقترن بتربية توجهه وتنير مساره.
ولا تحصل التربية إلا بخلق جو أخلاقي وتَحَابٍّ جماعي وتواصلٍ مستمرٍّ داخل المؤسسة التعليمية ـ التربوية، مع التركيز على النشء منذ البداية، لأن القيم التي تَتَشَرَّبُهَا قلوبُ الصغارِ الفَتِيَّةُ أحرى بها أن تستقرَّ فيها وتدوم، وأشد فترات التعليم خطرا مَبَادِئُها، فهي المراحل التي يستشعر خلالَها الطفلُ أَوَّلَ معنًى يستقر في صدره كُلَّ حياته، فإن كان رفيعًا ساميا سَمَتْ به أخلاقُه، وإلا كان العكس، وعَسِيرٌ بمكانٍ على المستويات التربوية الموالية أن تتداركَ النقصَ التربويَّ إن حَصَل، فإنما الاعتمادُ أساسا على المراحل الأولى من التربية والتعليم.
وليس مُعْتَمَدُ التربية كثرةُ المعارف ودرجات التحصيل، فكثرة المعارف مع نقص التأمل والإدراك فَسَادٌ للعقل ونقصٌ في القدرة على الأخلاق، فالعبرة بالجو الأخلاقي العام المتاحِ داخل المؤسسة التعليمية ـ التربوية، والانتظامُ بسلوكياتٍ رفيعة وآدابٍ عالية، وتنظيمُ أنشطة متعددة غايتُها زَرْعُ القيم النبيلة، وتوجيه النشء إلى أهداف تربوية سليمة، كل ذلك كفيل بالتحسيس بقيمة المعارف المكتسبة وإتاحة فسحةٍ كافية للتأمل والإدراك.

  

إن العـلـم بهـذا المعـنى، يـتـوقــف عـلـى الـفـهـم وعـلـو الهمـة للعمـل بـه أكثـر مما يتوقـف على كثرة المعلومـات وتكدُّسِ النقـول، فإن قلَّ الفهمُ وانتكست الإرادةُ كان فارغَ المعنى عديمَ الجدوى، فلا يلبثُ أن يكون عاملَ هدمٍ لا بناء!
روى ابن وهب عن الإمام مالك رحمهما الله أنه قال: ليس العلم بكثرة الرواية، إنما العلم نورٌ يضعه الله في القلب .
وورد في الأثر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما فَضَلَكُمْ أبو بكرٍ بكثرة صيام ولا صلاة، ولكن بشيءٍ وَقَرَ في صدره .
وقد كرر الإمام الغزالي رحمه الله الكلام في هذا الأثر النبوي مرتين في الإحياء ، وقال رحمه الله:
" فليكن حرصك في طلب ذلك السر، فهو الجوهر النفيس والدر المكنون، ودع عنك ما تَطَابَقَ أكثر الناس عليه وعلى تفخيمه وتعظيمه لأسبابٍ ودواعٍ يطول تفصيلها، فلقد قُبِضَ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن آلاف من الصحابة رضي الله عنهم كلهم علماءُ بالله، أثنى عليهم رسول الله، ولم يكن منهم أحدٌ يحسن صنعة الكلام، ولا نَصَّبَ نفسه للفتيا منهم أحد إلا بضعة عشر رجلا ".
ذلك هو السر الذي ينشر ضياءَه على المعرفة فيُشْرِقُ معناها، حتى إذا احتَجَبَ عنها ضاعت، كشأن المقررات التعليمية التي يتضخم حجمها والمعلوماتِ الغزيرة التي تحتجب عنها الحكمة، فتصبح المعرفة في المفهوم العام عبارةً عن شذراتٍ من هنا وهناك تُسَمَّى " ثقافة "، يضيعُ بها الموقف العرفانيُّ القائم على استقامة التفكير وسلامة المنطق عقيدةً وخُلُقًا وفِكرا، وتَذْهَلُ بسبها العقول عن المعنى الحقيقي للمعرفة والعلم الرباني الذي يُعَلِّمُ أهلَهُ قبل غيرهم خشيةَ الله!
لا ريب أن ما يصطلح عليه بالثقافة هو من المفاهيم الجديدة التي حَلَّتْ مَحَلَّ " المفاهيم الصَّلبة المرمرية الذهبية مثل العلم " على حد تعبير الدكتور المهدي بن عبود رحمه الله ، وأيضا من المفاهيم التي صَرَفَتِ الأفهامَ عن الغاية من كل علم وأدبٍ ومعرفةٍ أو أيِّ كلمةٍ تُكتَب، وهي طلبُ وَجْهِ الله تعالى والِانتباهُ إلى المصير الأخروي.
ولا أقول بِدْعًا إذا قلتُ إن كثرة الجمعيات الثقافية اليوم تفيد القلة، على غرار قول " أحمد شوقي " رحمه الله عن الشعر: " إذا كَثُرَ الشعراءُ قلَّ الشعر "، لأن ذلك يدل على هوان المادة الشعرية التي أصبح بمقدور أيٍّ مَنْ كانَ أن يمتلكَها، وإن ضَعُفَتْ لغتهُ وهَزَلَتْ معرفتُه، كما أنه ليس من السهل رفع شعار الدعوة إلى الثقافة إن كانت ذاتَ قيمة، إلى جانب أرضية فارغة من أيِّ استجابةٍ أو معرفةٍ ذاتِ معنًى وجدوى، حتى يكثر الدعاة والساهرونَ عليها هذه الكثرةَ التي لا مزيدَ عليها.
يمكن أن نقبل من الثقافة مفهومها الذي يفيد خصوصيَّةً تُنسَبُ لأمة معينة، أو نمطًا فكريا مُمَيِّزًا كالثقافة الإسلامية مثلا، فنفهم منها معنى الحياة في ظل الحضارة الإسلامية، وما أنتَجَتْهُ طيلةَ قرون من علومٍ وآدابٍ وفنون، ولا نقبلُ أن تصبح هذه الثقافة عبارة عن شذراتٍ وبقايا معلومات متفرقة تَحُلُّ محلَّ العلم والمعرفة الحَق.
إن هذه الكلمة " ثقافة " التي هي من صنع الألمان، إنما جسَّدَتْْ واقعَ تأليه الإنسانية أيام " هتلر "، عندما جعل الجرمانيون من أنفسهم شعبا مختارا، وعَلَّقُوا آمالَهم على أحلام توسعية غايتُها استعبادُ الشعوب وغزوُ العالم، وإخضاعُ الإنسانية لفلسفة الحيوانيةِ وعبادةِ الغرائزِ وتقديسِ البطشِ والقوة، فسَخَّرُوا فكرَهُم لهذا الأمر، واسْتَحْدَثُوا من المفاهيم الجديدة ما يُزَكِّي نظرتَهم ويؤيِّدُ تَوَجُّهَهُمْ نحو السيطرة، فتحدثوا عن ثقافة سامية وثقافة عربيةٍ وهم لَمَّا يَزَالُوا يَتَغَنَّوْنَ بأمجاد " شارل مارتل " ، فزَرعوا بهذا المفهوم الجديد بذورَ التفرقة ونَزَعوا إلى الشقاق، فالثقافة من منطلَقهم إنما جسَّدَت نظرتَهمُ المجرَّدةَ إلى الكون، وما تَكَوَّنَ في أذهانهم عن العالم وعن أنفُسهم من منطلَق مُيُولاتهِم وطموحاتهم، وبعد ذلك تَبَنَّاها العالَمُ اللاتينِيُّ الذي شَهِدَ شاهدٌ من أهله أن مفهومَ ما يسمونه " ثقافة " فارغٌ من أي مدلول علمي حقيقي، وهو الفرنسي " شاربونو " في كتيبه " مفارقة الثقافة "، كما يشير إلى ذلك الدكتور المهدي بن عبود رحمه الله .
إن الاستغراقَ غيرَ الشعوري مِنَّا في مثل هذا المفهوم وغيره من مُسَمَّيَاتٍ حَلَّتْ مَحَلَّ جواهر الأمور، قد أدى بنا إلى الوقوع في منزلَقَينِ خطيرين:
ـ أولهما تضييعُ معنى العلم الرباني، وتناسي أن الله تعالى هو المعلِّمُ والأنبياءَ والمرسلينَ والمجددينَ هم المرشدون إلى الصواب في الأمر كله، وأن مِن أهل المعرفة بالله من عَلَّمَهُ اللهُ ما لم يُعَلِّمْ أربابَ الشهادات، فتصبح الثقافة حجاباً دونَ ارتباط العلم بخشية الله سبحانه والدلالةِ عليه، وحائِلاً دون حقيقة المعرفة الربانية والعلمِ الذي يجعل من أربابِهِ أَشَدَّ الناسِ خشيةً لله.
" وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُون " .
" إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء " .
ـ المبالغة في الاهتمام بالأكاديمية والمناهجِ العلمية على حساب المغزى والمضمون، ومَلْأُ العقولِ دون تَبَصُّر، والتوجُّهُ نحو تَعَلُّمِ ما يسمونه علوما إنسانيةً بالجملة دون تمحيصٍ للنظر ومعرفةٍ لطبيعتها، وبالتالي تضييعُ معاني العلم الأصيل، وإحلالُ الثقافات المستهلَكَةِ والأفكار الرخيصة مَحَلَّه، والتهرُّبُ من ارتباط العلم والمعرفة بالربانية والتعلق بالله عز وجل.
فهل يكون تمحيص النظر في طبيعة المعارف الإنسانية واجتناب الأخذ بها جملةً سببا في الانعزال المعرفي؟
وكيف يمكن الحفاظ على المضمون الجوهري للعلم الرباني إذا كان الاندماج في الحضارة الحديثة بما يتطلبه من تنازلات معرفية أمرًا لا مناص منه؟
//

 
 صفحة للطباعة صفحة للطباعة

 أرسل هذا المقال لصديق أرسل هذا المقال لصديق

عفوا، التعليقات غير ممكنه لهذا المقال.

شبكة التربية الإسلامية الشاملة
المشرف العام الأستاذ أحمد مدهار
جميع الحقوق محفوظة للشبكة
2004/2003
لأفضل مشاهدة ننصح بأن تكون درجة وضوح الشاشة 1024× 768